اسماعيل بن محمد القونوي
355
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
للإضراب والانتقال من الشنيع إلى الأشنع توبيخا لأهل النار بحكاية شناعتهم في الدنيا بأنهم أبرموا أي فعلوا من الكيد كذا قيل فيكون من الإبرام « 1 » بمعنى الكيد والحيل لكن مع ملاحظة الإلحاح . قوله : ( أمرا « 2 » في مجازاتهم ) فيه تنبيه على أن إبرامهم في تكذيب الحق وإلحاحهم لا يفيد شيئا سوى مجازاتهم عليه . قوله : ( والعدول من الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم ) أي خطاب الكفار إلى الغائب للإشعار الخ أي لإسقاطهم عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم فاختير في ولكن أكثركم الخطاب توبيخا لهم بالمواجهة . قوله : ( أو أنه إن حكم المشركون أمرا من كيدهم بالرسول فإنا مبرمون كيدنا بهم ) حمل الإبرام على الكيد بعد الحمل على الإلحاح فالهمزة المستفادة من بل للإنكار الواقع وأما في الأول فكذلك إن أريد الإبرام الصوري وإلا فالإنكار الوقوعي وهذا الاحتمال جار في الإبرام بمعنى الكيد بتعميمه إلى الصوري والحقيقي وكيدهم بالرسول عليه السّلام مشاورتهم في دار الندوة بالقتل أو الإخراج من مكة كما بين في قوله تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [ الأنفال : 30 ] الآية قوله كيدنا بهم إطلاق الكيد للمشاكلة أو سمي جزاء الكيد كيدا قد مر توضيحه في أوائل سورة البقرة . قوله تعالى : [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 80 ] أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ( 80 ) قوله : ( ويؤيده قوله تعالى : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ [ الزخرف : 80 ] حديث نفسهم بذلك وتناجيهم ) ويؤيده لأنه يدل على أن ما أبرموه أمر أخفوه ولم يظهروه فيناسب الكيد دون التكذيب فإنهم مجاهرون به فالمناسب تقديم هذا الوجه إلا أنه أخره لذكر دليله عقيبه وارتباط قوله أم يحسبون بالمعنى الأول إما لأن المراد به غير إبرامهم من أسرارهم ونجواهم مثل كيدهم المذكور ولا يجب أن يكون المراد الإبرام المذكور بل العطف بأم ظاهر في أنه غير الإبرام ولذا قال ويؤيده قوله ولم يقل ويدل بل في التأبيد نظر لما ذكر من أن العطف بأم يدل على الانتقال منه إلى ما بعده أو باعتبار أنهم يعلمون حقيته قوله : أو أم أحكم المشركون قال الراغب الإبرام إحكام الأمر واتقانه وأصله من أبرم الحبل وهو ترديد فتله والبريم المبرم أي المفتول فتلا محكما والمبرم الملح تشبيها له بمبرم الحبل ومن هذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر برم كما يقال للبخيل مغلول اليد . قوله : ويؤيده قوله : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [ الزخرف : 80 ] وجه تأييده له أن إخفاء الأعداء كلامهم وتناجيهم عند من يعادونه أو عند أحبائه واتباعه حذرا من اطلاعهم عليه يكون غالبا للمكر .
--> ( 1 ) بل الأولى كون الكيد معنى أمر . ( 2 ) والمراد بالأمر كيدهم الصوري في تكذيب أي في شأن تكذيبه أو لتكذيبه .